الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

19

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

والحكيم ذو التدبير في جميع الأمور ! . وهذا التعبير في الحقيقة مقدمة لبيان المعجزة التي سيأتي بيانها في الآية التالية لأن الإعجاز آت من هاتين الصفتين " قدرة الله " و " حكمته " ، ولكن قبل أن نصل إلى الآية التالية . . ينقدح هذا السؤال وهو : من أين تيقن موسى ( عليه السلام ) أن هذا النداء هو نداء الله وليس سواه ؟ ! يمكن أن يجاب على هذا السؤال بأن هذا النداء - أو الصوت المقرون بمعجزة جلية ، وهي إشراق النار من الغصن الأخضر " في الشجرة الخضراء " - دليل حي على أن هذا أمر إلهي ! . ثم إنه - كما سنرى في الآية التالية - بعد هذا النداء أمر موسى ( عليه السلام ) بإلقاء العصا وإظهار اليد البيضاء ، على نحو الإعجاز ، وهما شاهدان صادقان آخران على هذه الحقيقة . ثم بعد هذا كله ( فعلى القاعدة ) فإن نداء الله له خصوصية تميزه عن كل نداء آخر ، وحين يسمعه الإنسان يؤثر في روحه وقلبه تأثيرا لا يخالطه الشك أو التردد بأن هذا النداء هو نداء الله سبحانه . وحيث أن الصدع بالرسالة والبلاغ ( وأية رسالة وبلاغ . . . رسالة إلى جبار مستكبر ظالم كفرعون ) . لابد له من قوة ظاهرية وباطنية وسند على حقانيته . . . فلذا أمر موسى بأن يلقي عصاه : وألق عصاك . فألقى موسى عصاه ، فتبدلت ثعبانا عظيما ، فلما رآه موسى يتحرك بسرعة كما تتحرك الحيات الصغار خاف وولى هاربا ولم يلتفت إلى الوراء : فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب . ( 1 ) ويحتمل أن عصا موسى تبدلت بادئ الأمر إلى حية صغيرة ، ثم تحولت إلى

--> 1 - يعتقد بعض المفسرين أن " الجان " مأخوذ من الجن ، وهو الموجود غير المرئي ، لأن الحيات الصغيرة تتحرك بين العشب في الأرض وتخفي نفسها . .